• ملخص الكتاب الموسع


    أبطال المنيا في ثورة 1919م

    (مبررات التكريم وواجب ردّ الاعتبار)

    تأليف: دكتور قاسم زكي

    يتناول هذا الكتاب صفحة شديدة الأهمية من تاريخ محافظة المنيا ودورها في ثورة 1919م، وهي صفحة لا يجوز أن تبقى حبيسة الروايات الشفوية أو الذكريات المتفرقة. فالكتاب لا يقدّم ثورة 1919 بوصفها حدثًا مركزيًا في القاهرة وحدها، بل يفتح نافذة واسعة على الأقاليم المصرية، وعلى المنيا تحديدًا، باعتبارها واحدة من المحافظات التي دفعت ثمنًا باهظًا في سبيل الحرية والاستقلال، وشاركت بقراها ومدنها ورجالها ونسائها في صناعة الوجدان الوطني الحديث.

    ينطلق العمل من فكرة محورية مفادها أن التاريخ الوطني لا يكتمل إلا حين نستعيد أدوار المحافظات والقرى والمراكز التي صنعت الحدث من مواقعها المختلفة. ومن هذا المنطلق، يقرأ الكتاب المنيا لا كمكان جغرافي في قلب الصعيد فحسب، بل كذاكرة وطنية نابضة، تمتد من دير مواس وملوي إلى وأبو قرقاص وسمالوط ومطاي وبني مزار والعدوة ومغاغة، حيث تشكلت مواقف شعبية وسياسية واجتماعية كان لها أثرها في اتساع الثورة وعمقها.


    يعيد الكتاب الاعتبار إلى «ثورة الدم والعسل» في دير مواس، بوصفها إحدى العلامات الكبرى في ذاكرة المنيا الوطنية. فالدم يرمز إلى ما قدمه الشهداء والثوار من تضحيات، والعسل يستدعي ما ارتبط في الذاكرة الشعبية بالبيوت والقرى والحقول التي عاشت مأساة القمع والعقاب، لكنها احتفظت في الوقت نفسه بالفخر والكرامة. ومن خلال هذا المدخل، يصبح عيد المنيا القومي في 18 مارس أكثر من مناسبة بروتوكولية؛ إنه تاريخ يحتاج إلى قراءة وتوثيق وتعليم وتكريم.


    ولا يكتفي الكتاب بسرد عام للأحداث، بل يتوقف أمام شخصيات ورموز تستحق أن تعود إلى الذاكرة العامة، مثل الدكتور خليل أبو زيد، وعبد الرحمن حسن، والشيخ أحمد حتاتة، والشيخ الدكتور محمود عبد الرازق، والأستاذ أحمد محمد أنيس، ومراد الشريعي، وأحمد لطفي عبد الحكيم، ورياض أفندي الجمل، وتوفيق دوس، ودولت فهمي، وهدى شعراوي، والقس شحاتة عويضة، وغيرهم من الشخصيات التي تكشف تنوع المشاركة الوطنية في المنيا بين العلماء والمشايخ والقساوسة والمعلمين والقضاة والمحامين والنساء والفدائيين والوجهاء.


    وتبرز أهمية الكتاب في أنه لا يتعامل مع التكريم باعتباره لافتة أو احتفالًا عابرًا، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لرد الاعتبار. فالتكريم في رؤية الكتاب يبدأ من التوثيق العلمي، ويمر بتصحيح الأسماء والنسب والمواقع، ويصل إلى إطلاق الأسماء على المدارس والقاعات والشوارع، وإنشاء لوحات تعريفية، وسجل شرف، وخريطة للذاكرة الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بسير هؤلاء الذين ضحوا من أجل مصر.

    ويولي الكتاب عناية خاصة بفكرة أن الذاكرة الوطنية ليست ملكًا للماضي وحده، بل هي أداة لبناء الوعي في الحاضر. فحين يعرف الطالب أن قريته أو مدينته أنجبت ثائرًا أو شهيدًا أو محاميًا دافع عن أبناء دير مواس أو امرأة ضحّت بسمعتها من أجل حماية رجال الثورة، فإن الوطنية تتحول من شعار عام إلى تجربة قريبة وملموسة. وهذا ما يجعل الكتاب دعوة تربوية وثقافية بقدر ما هو عمل تاريخي.

    كما يكشف الكتاب عن أن ثورة المنيا لم تكن أحادية الصوت أو اللون، بل كانت لوحة مصرية جامعة. فقد شارك فيها المسلم والمسيحي، الرجل والمرأة، العالم والفلاح، الشيخ والقس، المحامي والمعلم، ابن المدينة وابن القرية. ومن هنا يصبح استدعاء هذه الذاكرة دفاعًا عن المعنى العميق للوحدة الوطنية، وعن صورة مصر التي صنعت استقلالها بتكامل أبنائها لا بانفراد فئة واحدة بالمشهد.


    ومن الجوانب المهمة في الكتاب أنه يلفت الانتباه إلى ضرورة مراجعة النصب التذكارية والقوائم الرسمية وأشكال التكريم السنوية، حتى لا تبقى الذاكرة ناقصة أو مشوشة. فالاسم الخطأ، أو النسبة غير الدقيقة، أو غياب شخصية مستحقة من سجل الشرف، ليست تفاصيل صغيرة، بل مؤشرات على حاجة الذاكرة إلى عمل مؤسسي جاد تشارك فيه المحافظة والجامعة والتربية والتعليم والثقافة والأسر والباحثون.

    ويطرح الكتاب في فصوله الأخيرة رؤية عملية لتحويل المقالات والكتابات المتفرقة إلى برنامج إنصاف وطني، من خلال تشكيل لجنة رسمية، وإعداد سجل شرف لثوار المنيا، وجمع الروايات الشفوية، وتوثيق البيوت والسرايات، وإطلاق جائزة بحثية باسم «ثورة الدم والعسل»، وتنظيم أنشطة مدرسية وجامعية ومجتمعية تجعل ذكرى 1919 جزءًا حيًا من الوعي المحلي.

    وخلاصة رسالة الكتاب أن المنيا لا تطلب مجدًا مصنوعًا، بل تستعيد حقًا ثابتًا في الذاكرة الوطنية. فهي محافظة شاركت في صنع التاريخ، وقدمت شهداء ورموزًا ومواقف، ومن حق أبنائها وبناتها أن يعرفوا هذه الصفحات، وأن يروا أسماء أبطالهم في المدارس والميادين والكتب والمتاحف المحلية. ومن ثم فإن هذا الكتاب هو شهادة وفاء، ودعوة للتوثيق، ونداء إلى المؤسسات الرسمية والثقافية والتعليمية كي تنتقل بذاكرة ثوار المنيا من الهامش إلى المتن، ومن الحكاية إلى القرار، ومن الاحتفال العابر إلى التكريم المستحق.


مرحباً بك
لديك استفسار؟ سنكون سعداء بمساعدتك 💫